|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
![]() ![]() التصوف الإسلامى فى الوقت الراهن - ندوة تورينوعرض الباحث/ أحمد حسن أنور يفرض علينا السياق الثقافى السائد فى العالم الإسلامى النظر إلى التصوف الإسلامى بصورة واقعية معقولة، فعندما تُذكَر كلمة "تصوف" فى الأوساط الثقافية ينظر إليها بشيء من الريبة والشك فربما ربطها البعض بالتخلف والشعوذة، وربما أخرجها البعض عن دائرة الإسلام، وربما اعتبرها البعض موروثًا قديمًا لا قيمة له ولا حاجة لنا إليه الآن. والغريب أن هذه النظرات قد تناست العديد من الأمور، أهمها: أنها تناست إسهام التصوف فى كافة المجالات الثقافية التى قدمها المتصوفة المسلمون على مدار العصور الإسلامية، كما تناست دور التصوف فى نشر الإسلام فى شتى بقاع العالم. وتناست أيضا دور التصوف المهم من الناحية الأخلاقية والروحية. والآن ونحن نعيش فى عالم يموج بصراعات متعددة... عالم يسوده تيارات سياسية ودينية متباينة متصارعة... عالم أغرقته سيطرة غرائزه المادية على كياناته الاجتماعية والإنسانية فى أمواج متلاطمة مضطربة كانت لها انعكاساتها الخطيرة على قيمه ومبادئه وثقافته وبحيث لم يعد يعرف إلى أين أو متى ستنتهى به أزمته المادية الاقتصادية الراهنة، فقد سيطرت المادية المتطرفة على هذا العالم، وظهرت فيه نماذج من التيارات الدينية المتشددة التى باتت تسخر وتستغل المشاعر الدينية لدى البسطاء لصالح أغراضها السياسية، وظهر فيه الاهتمام بالشكليات دون الجوهر، والعديد والعديد من مثل هذه السلبيات. ففى ظل هذه الظروف الصعبة ليس من الغريب أن يُهمَّش التصوف وسط هذه الماديات التى أصحبت مع الأسف معيار القيم لدينا، وفى ظل هذه الظروف أيضا يظهر لنا مدى احتياجنا إلى التصوف. ويمكننى فى هذا السياق التنبيه إلى عدة محاور هامة يهدف إليها التصوف، منها: 1- محور العلاقة مع الله. 2- محور العلاقة مع الإنسان. 3- محور العلاقة مع الطبيعة. فبالنسبة لمحور العلاقة مع الله، فكما قال الإمام القشيرى فالصوفى يهدف إلى العيش لله وبالله ومع الله، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف يمر الصوفى بمجموعة من المحطات: الأخلاقية التى تؤدى إلى عملية الترقى الأخلاقى كى يصبح الإنسان خليفة الله على الأرض، ثم الروحية التى يسميها الصوفية بـ "المقامات والأحوال" كالتوبة والزهد والورع والخوف والتوكل والشوق والمحبة. - ودعونى استشهد بقول رابعة العدوية (ت: 185هـ/801م) التى اشتهرت باسم "شهيدة العشق الإلهى"، حيث تقول: "إلهى إذا كنت أعبدك خوفا من النار فأحرقنى بها، أو طمعا فى الجنة فحرمها علىَّ، وإذا كنت لا أعبدك إلا من أجلك فلا تحرمنى من مشاهدة وجهك" [التجليات الروحية، ص84] أما بالنسبة للمحور الثانى الذى يحدد علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، فقد قدم التراث الصوفى أنماطًا ونماذج رائعة تقوم على فكرة المحبة، وليس هناك دليل على ذلك أقوى من التراث العظيم الذى تركه لنا العديد من المتصوفة من أمثال الحسن البصرى، والحسين بن منصور الحلاج، وعمر بن الفارض، وفريد الدين العطار، وجلال الدين الرومى، وغيرهم كثيرون. ولتسمحوا لى بالاستشهاد بأقوال بعض الصوفية. - يقول المتصوف المصرى عمر بن الفارض (ت: 632هـ/1235) وقد اشتهر باسم "سلطان العاشقين": Out of the way of love, I have no other way to go Should I deviate from it, I would part with my religion (التائية الكبرى، 64) ديوان بن الفارض، تحقيق جوزيبى سكاتولين، المعهد الفرنسى، القاهرة - ويقول المتصوف الأندلسى محيى الدين بن العربى (ت:638هـ/1240م): فمَرْعًى لغِزْلانٍ وديرٌ لرُهبانِ وبَيتٌ لأوْثانٍ وكعبةُ طائفٍ، وألوَاحُ تَوْراةٍ ومُصْحَفُ قُرآنِ أدينُ بدينِ الحُبّ أنّى توَجّهتْ رَكائِبُهُ فالحُبُّ دينى وإيمانى هذه نماذج تعبر عن عمق محبة الصوفى لأخيه الإنسان، ليس هذا فحسب بل إن النزعة الصوفية بصفة عامة تسمح بإتاحة الفرصة للحوار والعيش مع الآخر، كما أنها ترفض أى نوع من التشدد الذى يؤدى إلى تعصب، وتاريخ التصوف الإسلامى يؤكد ذلك. وأما بالنسبة للمحور الثالث وهو علاقة الإنسان بالطبيعة، فقد أصحبنا نعانى اليوم من خطر يهدد النظام البيئى لكوكبنا مما يهدد وجودنا كبشر على هذا الكوكب، فأصبح الإنسان يتفنن فى تصنيع الأسلحة التى تقتل أخاه الإنسان وتؤدى إلى تدمير المخلوقات الأخرى. وكان من المدهش أن أجد نماذج من المتصوفة تدعو إلى المحبة ليس للإنسان فحسب بل لكل المخلوقات والجمادات، مما يؤدى إلى احترام وجودها واعتبارها دليلاً على قدرة الله، وعدم السير ضد القوانين الإلهية التى تحكم وتنظم سير الطبيعية. ومن المحاور الثلاثة السابقة يمكن أن يتضح لنا أهمية التصوف ليس فقط من الناحيتين النظرية والأدبية، بل ومن الناحيتين العملية والوجودية أيضًا. ![]()
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||